السيد محمد باقر الصدر
50
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
أنّ الظاهرتين قد اقترنتا كثيراً ، وتقوم بعد ذلك معلوماتنا العقليّة القبليّة بتقديم كبرى القياس ، متمثّلة في ذلك المبدأ العقلي الذي ينفي أن يكون الاتفاق دائميّاً أو أكثريّاً ، ويستنتج من ذلك أنّ ظاهرة ( أ ) سبب لظاهرة ( ب ) . ولمّا كانت السببيّة هي الجسر الذي يبرّر الانتقال من الحالات الخاصّة إلى التعميم ، فمن الطبيعي أن نصل إلى العلم الكامل بالقضيّة الكليّة . وعلى هذا الضوء يتّضح أنّ الدليل الاستقرائي في المنطق الأرسطي يستبطن قياساً ، فهو في الحقيقة دليل قياسي يسير من العامّ إلى الخاصّ ، وليس دليلًا استقرائياً يسير من الخاصّ إلى العامّ . ويسمّي المنطق الأرسطي هذا الدليل الاستقرائي - بما يستبطن من قياس - ( تجربة ) . ويعتبر التجربة أحد مصادر المعرفة ، ويؤمن بقيمتها المنطقيّة وإمكان قيام العلم على أساسها ، خلافاً للاستقراء الناقص الذي يمثّل أحد عنصري التجربة ويعطي صغرى القياس المستبطن فيها . فالتمييز بين التجربة والاستقراء الناقص في المنطق الأرسطي يقوم على أساس أنّ الاستقراء الناقص مجرّد تعبير عددي عن الأمثلة التي لوحظت خلال الاستقراء ، وأمّا التجربة فهي تتأ لّف من ذلك الاستقراء ومن مبدأ عقلي مسبق ، يتكوّن منهما معاً قياس منطقي كامل . ومن أجل هذا يمكن القول بأنّ المنطق الأرسطي يؤمن بالاستقراء الناقص كأساس للعلم ، ويعتقد بأنّ المستقرئ بإمكانه التوصّل إلى التعميم عن طريق الاستقراء الناقص ، ولكن لا دائماً ، بل فيما إذا أمكن تطبيق ذلك المبدأ العقلي القبلي ، الذي ينفي تكرّر الصدفة على تلك المجموعة من الأمثلة والشواهد التي شملها الاستقراء الناقص ، إذ يتأ لّف عندئذٍ قياس منطقي كامل يستمدّ صغراه من